الشيعة والتعايش الحضاري في العراق

 

العراق بموزائيكيته الجميلة متمثلة بتشعب إنتماءات أبنائه وتعدد قومياته وطوائفه الممتدة حول فراتيه من الشمال الى الجنوب وبين سهوله ووديانه، يعكس أجمل صورة من صور التعايش الحضاري الذي يبحث العالم في عنوانه اليوم ضمن موضوع حوار الحضارات، إن أحسن كل طرف العمل والتصرف بما ينمي الفكر ويطور البلد ويحسن من وضع أبنائه ككل، بعيدا عن روح التعصب الأعمى والطائفية البغيضة، بإقرار وإعطاء كل ذي حق حقه، مع وضوح الرؤية وصراحة الحديث وموضوعية المواقف بما يجمع ولا يفرق، ويخدم جميع أبناء البلد، وبما يحفظ ويضمن وحدة أراضيه. وذلك إنما يتحقق فيما لو أخذ كل طرف على نفسه مسؤلية التخطيط والعمل التنموي من أجل حفظ كيانه وتأمين حقوق أبنائه على الصعيد الحضاري والاجتماعي والاقتصادي والانساني والثقافي والديني والصعد الأخرى المختلفة، مع الأخذ بعين الاعتبار مراعاة حقوق الآخرين.

علما بأن المشاريع الحضارية التي تستهدف العمل من أجل تقدم الحياة وتطورها وحمايتها من الانحراف، لا يستقيم مسارها ولا تؤدي الغاية المرجوة منها، إلا إذا وجهت بمناهج ضابطة واستراتيجيات هادفة، وبضرورة الاعتبار بواقع الأحداث الكبرى التي تبدأ حلما الى أن تصبح حقيقة تغيّر مسار التاريخ ونظم المجتمعات، إنما تتحقق بفضل وضع أسسها من قبل واعين مدركين ومن ثم متابعتها بأيد مخلصة ضمن المنهج المرسوم حتى تطبيقها على أرض الواقع.

 

ومن هذا المنطلق وعلى مدى جلسات متعاقبة لنخبة من الأخوة العراقيين من مختلف القطاعات المهتمين بشؤن المسلمين الشيعة في العراق، وتداول أوضاعهم بالبحث والنقاش المعمقين للوصول الى رؤية موحدة تتمثل في ضرورة التحرك الجاد والاستراتيجي من أجل حفظ الكيان الشيعي وتأمين حقوق أبنائه، أمام التحديات التي تواجههم والمخططات والمواقف المعلنة وغير المعلنة التي تستهدف كيانهم ووجودهم في العراق.

فقد أخذ المجتمعون على أنفسهم مسئولية التخطيط لعمل تنموي مستمر من أجل حفظ الكيان الشيعي وتأمين حقوق أبنائه على الصعد المذكورة أعلاه، بما يؤمن المساواة بين الشيعة وغيرهم من أبناء الوطن، ومن أجل المساهمة الفعالة في بناء عراق آمن ومستقر ومزدهر بضمان حقوق جميع أبنائه وتنمية كياناته، وذلك من خلال تأسيس مجلس معترف به دستوريا وقانونيا في العراق يضم ممثلين لأهم القطاعات الشيعية تحت عنوان:

المجلس الشيعي العراقي

من أجل حفظ الكيان وتأمين الحقوق

 

الكيان الشيعي:

المقصود من الكيان الشيعي في العراق هو ذلك الوجود البشري الحضاري الاجتماعي الديني الممتد منذ صدر الاسلام، الذي وضع أسسه وبذوره الاولية خاتم الأنبياء الرسول محمد (ص)، متمثلة في ضرورة إتباع الاسلام "قرآنا وسنة" من بعده (ص) في نهج وصيه وخليفته الامام علي بن أبي طالب والأئمة الميامين من ولده عليهم السلام. ذلك الوجود الذي عرف فيما بعد بـ «المسلمين الشيعة، الامامية الاثني عشرية، الجعفرية» والذي طبع بوجهه الحضاري والديني هوية غالبية أبناء العراق، متمثلا بالمرتكزات والمقومات الأساسية التالية:

 

1- العنصر البشري: المتمثل في الفرد والأسرة والعشيرة والوجوه والشخصيات العلمية والدينية والاجتماعية والتكتلات والفعاليات الشيعية.

 

2- المرجعية الدينية: المتمثلة في المراجع العظام و(حوزة) جامعة النجف الاشرف العلمية والحوزات الدينية في مختلف المدن العراقية بمدارسها وأساتذتها وطلابها ووكلائها.

 

3- القضاء الشرعي: متمثلا بضرورة استقلالية القضاء الديني ومراعاة حقوق الشيعة بالترافع في المحاكم الشرعية الخاصة بهم وفق رأي ومعتقد مذهبهم في الاسلام عند إحتياجهم اليها.

 

4- التراث: المتمثل في المدن والآثار الدينية والعمرانية والفنية وفي مقدمتها العتبات المقدسة لأئمة أهل البيت وأولادهم وأصحابهم، والمساجد والحسينيات والأوقاف العامة.

 

5- الثقافة والتربية والتعليم: متمثلة في المدارس والمعاهد والجامعات والمؤسسات العلمية والمراكز التربوية والثقافية والمنتديات الفكرية والكتب والمكتبات، والتبليغ الديني، والشعائر الحسينية، ومراسيم الاحتفال في ذكرى ولادات ووفيات الرسول الأكرم محمد (ص) والائمة من أهل بيته الكرام (ع)، والمناسبات الإسلامية والوطنية العامة.

 

6- الموارد المالية: متمثلة بالمؤسسات الاقتصادية والحقوق المالية الدينية والتبرعات وأموال الوقف الشيعي والمؤسسات الخيرية ومنافع البلاد العامة.

 

التنمية:

المقصود بالتنمية، هو معناه العلمي المتداول لعملية الانتقال المخطط للكيانات الى وضع أفضل، وتتمثل آفاقها في كل ما من شأنه تطوير مفردات ذلك الكيان وعلى الأصعدة كافة وفق الامكانات المتاحة بما ينسجم مع أهداف المجلس.

 

الحقوق:

المقصود من الحقوق، هي حقوق المواطنة الكاملة المطلوب تأمينها وفق شرعة حقوق الانسان الدينية والسياسية والدولية، وبخاصة التأكيد على حرية الوجود والتحرك من أجل الحفاظ على مقومات الكيان ومرتكزاته الأساسية، وما يرفع من المستوى الحياتي والتقني للفرد والمجتمع وتأهيله بما يتضمن ذلك من إعداد الكوادر المتخصصة في مجالاتها وعلى مختلف الأصعدة وفق الامكانات المتاحة.

 

الأهداف:

1- حفظ الكيان الشيعي وتنميته في إطار من المساواة والعدالة لضمان حقوق جميع أبناء العراق على الصعد الحضارية والاجتماعية والاقتصادية والانسانية والثقافية والدينية.

 

2-الحفاظ على إستقلالية المرجعية الدينية والحوزات العلمية والعمل على إبراز أهمية دورها ودور الثقافة الاسلامية الشيعية في خدمة العراق وحفظ الهوية العربية الاسلامية لعراق المستقبل كما هو الأمر فيه ماضيا وحاضرا، وإعتبار ذلك مرتكزا للتحرك الشيعي في التكامل مع بقية إخواننا المسلمين من أبناء الوطن من خلال نهج التقريب بين المذاهب.

3- التأكيد على وحدة المصير والعيش المشترك بين أبناء العراق من مختلف القوميات والأعراق والأديان والمذاهب، وضرورة العناية بمختلف الجوانب الثقافية والاجتماعية والتربوية والدينية والاعلامية والفنية في البناء الحضاري للمسلمين الشيعة مع مراعاة حقوق جميع الاطراف في البناء الحضاري للعراقيين عموما.

 

4- السعي في سبيل إيجاد أفضل العلاقات الايجابية والحسنة مع الاطراف الأخرى على الصعيد الوطني والقومي والاسلامي والعالمي، والعمل على تقريب الرؤى ووجهات النظر بين العاملين في هذه الحقول عموما.

 

5- التأكيد على ضرورة نبذ العنف واستخدام القوة والسلاح لتحقيق المقاصد، وضرورة الايمان بالحوار والتفاهم السلمي والعمل الحضاري لنيل الحقوق لجميع الاطراف، مع التركيز على أهمية دور الحوار في التعايش والتكامل بين الحضارات.

 

6- العمل على إبراز الصورة المشرقة والايجابية للكيان الشيعي ودوره الفاعل تاريخيا وحاضرا ومستقبلا في بناء الوطن حضاريا والحفاظ على وحدة أراضيه، والسعي لإزالة العقبات العنصرية والطائفية التي يضعها البعض حائلا أو معرقلا في طريق التطور الحضاري والتكامل الثقافي والاجتماعي مع غيرهم، من قبيل الطعن في إسلام بعضهم أو عروبتهم أو وطنيتهم أو حتى تحضرهم.

 

7- التعاون مع الفئات والشرائح الاجتماعية المكونة لنسيج العراق في الحفاظ على خصوصيتها الثقافية والدينية والاجتماعية، ودعوتها للحوار والقيام بالاعمال النافعة لمصلحة الوطن، ويدخل في ذلك دعم المراكز الاجتماعية العامة ومنظمات حقوق الانسان والدفاع عن حرية الفرد والمعتقد.

 

8- تنمية وعي الفرد والمجتمع بسماحة الدين الاسلامي وإنفتاحه الثقافي، عبر الوسائل التعليمية والتربوية والاعلامية المختلفة كالقنوات التلفزيونية والكتاب والانترنت والخطابة والصحف والمجلات، والتأكيد على الأصول والجذور العربية للتشيع وإبراز أهمية الخصوصية العربية لشيعة العراق.

 

9- رفع المستوى الحياتي والتقني للفرد والمجتمع وتأهيله للقيام بالاعمال النافعة بما يتضمن ذلك من إعداد الكوادر المتخصصة في مجالاتها والعمل على تقريب الرؤى ووجهات النظر بين العاملين في الحقل الشيعي عموما والتأكيد على ضرورة توجيه الأمور من خلال الافراد المخلصين والملتزمين الساعين الى حفظ الكيان وتأمين حقوق أفراده.

 

10- العمل على إيجاد صيغ قانونية ودستورية ضمن مؤسسات شرعية معترف بها لتحقيق هذه الأهداف، مع التأكيد على أن هذا المجلس لا يمارس العمل السياسي الحزبي وليس بديلا عن المرجعية الدينية أو التكتلات والاحزاب والمنظمات السياسية الشيعية، وإنما يتكامل معها ويطالب بالحقوق المدنية الاجتماعية والثقافية العامة لها ولجميع أبناء الشيعة في العراق. 

 

 

عودة الى الصفحة الرئيسية